ان كنت استفدت من محتوى المنتدى فاضغط على الاعلانات..

القضاء; هل يجب بأمرٍ ثانٍ أو بالأمر الأول؟

  افضل مساهمة1
بسم الله الرحمان الرحيم:


فصل في معنى الفوات:


اعلم أنَ الفواتَ اسمٌ لا يستعمل بالاتفاق إلا في فعل مأمور به، موقّت بوقت، خرجَ وقتهُ ولم يفعلْه المأمورُ، فأمَّا الواجبُ على التّراخي والموسَع وقتُه، إذا تُركَ في وقتِ توسعتِه، فلا يقالُ: فائت.
فتحقق من هذا: أن الفواتَ مضى وقتِ العادةِ المحدودةِ، وهذا حدٌّ يخصُّ باب العبادة، وإن أردتَ العمومَ قلت: خروجُ وقتِ الفعل المأمورِ به، الموقَّت.
والفائتُ: الفعلُ الخارجُ وقتهُ الذي امِر به فيه.




فصل:


والِإعادةُ اسمٌ لمثلِ ما بطلَ وفسدَ من العباداتِ على وجهِ البدلِ عنه، والإِفسادِ لها، إما بسبب من جهته، مثلِ الوطء في الحج، والصومَ، أو الكلامَ أو الحدثِ في الصلاةِ أو بسبب يطرأ لا من كسب المكلف.
ولا يوصف هذا الفعل الموقع عن المفسدِ قضاءً، لكونه بدلًا مفعولًا في وقت العبادة، لكن الغالبُ عليه اسمُ الإِعادة.



فصلٌ:


فأمّا القضاءُ: فاسمٌ لفعلِ مثل ما فات بخروجِ وقتهِ المحدَّدِ به.
فكانَ الفرقُ بين الِإعادةِ والقضاءِ، أنَّ الإِعادةَ فعل مثلِ ما فسدَ لكنه في وقتِ العبادةِ.
والقضاءَ اسمٌ لفعلٍ، هو مثلُ العبادةِ المؤقته التي خرج وقتها.


فصلٌ:


والأداءُ: فعلُ كل مفعولٍ موقَتٍ في الوقتِ الذي عُرِفَ به، موسّعاً كان أو مضيّقاً.


فصلٌ:


إذا خرج وقت العبادة وفات فعلها، لم يجب قضاؤها إلا بأمرٍ ثانٍ.
وبه قال أكثرُ الفقهاءِ والمتكلمين. وأصحاب الشافعي في أحدِ الوجهين، والقاضي أبو بكر والمحققون من الأصوليين، وذهب بعضُ أصحاب الشافعي إلى أنه تجب بالأمر الأول، ولا تسقط بفوات الوقت.
وظاهرُ كلامِ صاحبنِا أنَه يسقطُ الأمرُ بالجنونِ، ولا يسقطُ بالإِغماءِ، والحيضِ والمرضِ.




فصل يجمعُ الأدلّةَ على أنَه لا يجبُ إلا بأمرٍ ثانٍ، سواءٌ كان تركهُ لعذرٍ مانعٍ أو لغير عذرٍ:

فمن ذلك: أنَ الله سبحانَه إذا علق العبادةَ بوقتٍ، فلا تخلو من مصلحةٍ تختص الوقتَ، وخصيصةٍ تعودُ بالنفعِ العاجلِ والأجلِ، أو لمشيئةٍ وإرادةٍ علقها بذلكَ الوقتِ، ونحنُ لا نعلم أنَ غيرَ ذلكَ الوقتِ كالوقتِ في حصولِ المصلحةِ في فعلهِ ونفي المفسدةِ، ولا الإِرادة والمشيئة، فيصيرُ ما بعد الوقتِ في نفي المصلحةِ وتجويزِ المفسدةِ كما قبلَه من الأوقاتِ، ويصيرُ مثالُ ما إذا قيد حكيمُ الطبِّ شربَ الدواءِ بوقتٍ ففاتَ لا نعلمُ أنَ شربَهُ بعَد خروجِ الوقت سادٌّ مسدَّ شربهِ في الوقت في جلبِ مصلحةٍ ولا نفي مفسدة.
وكذلك إذا عُلَق الأمرُ بشرطٍ مثل استقبالِ قبلةٍ، أو طهارةٍ، أو ستارةٍ، ففاتَ الشرطُ وتعذّرَ، لم يجز أن يُقدِمَ على الفعلِ بعد تعذرِ شرطهِ.
وكذلك إذا خُصَّ الفعلُ والعبادةُ بمكان، فتعذرَ المكانُ، لم يقم غيرهُ مقامَه لتعذُرِه.
وعلّةُ ذلكَ كُله أنا لا نجوّز أن نُقدمَ على إقامةِ وقتٍ مقامَ الوقتِ الذي نص عليه الشرعُ، لأنَّا لا نأمنُ مواقعةَ المفسدةِ في ديننا ودنيانا.
وما صارَ إبدالُ وقتٍ بوقتٍ مع عدمِ العلمِ بمساواةِ الوقتِ الثاني للوقتِ الأول، إلا كمن أقامَ فعلا في زيدٍ مقامَ فِعْلٍ في عمروٍ، والوقوفَ بمزدلفة بدلًا من الوقوفِ بعرفة، وصومَ غيرِ رمضانَ بدلًا من صومِ رمضان.

ومن ذلك: أنَ الإِيجابَ يتعلَقُ بأعيانٍ وأزمانٍ، ثم إنَ الفرضَ لو تعلَقَ بعينٍ عتقاً في رقبةٍ، أو زكاة وتضحيةً في شاةٍ أو بقرةٍ، لسقطَ الخطابُ بفواتِ العين، ولم يتبدّل بعينٍ أخرى إلا بدلالةٍ، كذلكَ إذا عُينت العبادةُ بالزمانِ ولا فَرْق.
والجامع بينهما: المصلحةُ المتحققةُ، أو المشيئةُ عند من لم يعتبر الأصلحَ، وكلاهما لا يمكنُ تعديتهُ إلا بدلالةٍ تقومُ مقامَ الدلالةِ الأولى في التعيين.

ومن ذلك: أنَ الأصلَ قبلَ الِإيجاب عدمُ إيجاب الفعلِ في الزمان، وأما إذا فاتَ الزّمانُ المعيّن عُدنا إلى الأصلِ، فلَا نعلمُ تعلّقَ الوجوبِ بوقتٍ ثانٍ إلا بدليل.

ومن ذلك: أن الأمرَ استدعاءُ الفعلِ، والنهيَ استدعاءُ التركِ، ثمَّ إنّه لو عين وقتاً بنهي، ثمَّ فاتَ ذلكَ الوقتُ الذي عُيِّنَ التركُ فيه، فإنه لا يقوم مقامهَ وقت للترك، كذلكَ الأمر ولا فرق.
مثالهُ لو قال: اترك البيعَ وقتَ النداءِ من يوم الجمعة، واترك الاصطيادَ إِذا دخلت الحرمَ أو أحرمت. ثم إِنه باعَ وقتَ النداءِ، واصطادَ في الإحرام، ففاتَه التركُ وأراد أن يتركَ البيع بعد خروجِ وقتِ النهي، وكذلكَ أرادَ أن يصطادَ بعد خروجِ وقتِ تحريمِ الاصطياد، لم يكن هذا سادّاً مسدَ التركِ الذي فاتهَ في ذلكَ الوقتِ المخصوصِ، كذلك هاهنا.


ومن ذلك: أن الوقتَ الذي عُلقَ عليه الفعلُ مقصود بالفعل، ولذلك يأثمُ بالتأخرِ عنه، ويحصلُ الِإجزاءُ والثوابُ والائتمارُ بالفعلِ فيه، فمدّعي أن ما بعده من الأوقاتِ مثلُه بعَد فواتهِ في قيامهِ مقامه، فعليه الدليلُ.


ومن ذلك: أن الصيغةَ ليس فيها ذكرُ أبدالٍ للوقتِ بغيره عند الفوات، ولا أمرٍ بالقضاءِ، ولا من ناحيةِ الشرع تُعطي أن للوقتِ بدلًا، ولا أن الإيجابَ باقٍ بعدَ الفواتِ مع كونه عَرفَ الفعلَ بوقتٍ معين، فإيجابُ القضاءِ لا دليلَ عليه، ولا بُد من طلبِ دليل.

ومن ذلك: أن أصولَ الشريعةِ منقسمة إلى فعلٍ يجبُ قضاؤه كالصلوات وصوم رمضان، وفِعل لا يجبُ قضاؤه كالجمعةِ والجهادِ، فليس يمكنُ حملُ هذا الفعلِ الموقتِ على أحدهما دونَ الآخر إلا بدلالة.

فإن قيل: المكانُ لا يعدمُ فيفوت، فكذلكَ لم يجب القضاءُ ولم يجز إيجابُ الفعلِ في غيره، والزمانُ يفوت، فكذلكَ جعلنا غيرَه قائماً مقامه.
قيل: كلامُنا في زمانٍ، وذلك يفوتُ.




فصل فيما تعلقوا به:

فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصلّها إذا ذكرها"، فذلك وقتُها، لا وقتَ لها غيره، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم"، ومن فاته الوقتُ الأول لعذرٍ، فهو مستطيعٌ للفعلِ في وقتٍ ثانٍ.

ومن ذلكَ قولَهم: إنَّ أوامرَ الشرعِ كلَّها على إيجابِ قضاءِ ما فات منها، فدلَّ على أنَّ ذلك يقتضي الأمرَ.

ومن ذلكَ قولُهم: إنَّ المأمورَ به هو الفعلُ، فأمَّا الوقتُ، فإنه يُرادُ ظرفاً للإيقاع فيه، فلا وجهَ لسقوطِه بفواتِه، لأنَّ غيرهُ من الأوقاتِ يصلح ظرفاً للفعل.

ومن ذلك قولُهم: إنّه يسمى قضاءً، ولو كانَ ذلك فرضاً مبتدأً لما كانَ لتسميته قضاءً وجهٌ، وما سُمِّيَ قضاءً، إلا أنه أقيمَ مقامَ المتروكِ من المأمورِ به، ولو قيل: إنّه نفسُ المتروكِ ولم يعدم سوى الزمان.

ومن ذلك قولهم: إن العبادةَ الموقَّتةَ حقٌّ لله سبحانه، تعلَّق بوقتٍ كما أنَّ الدَّين المؤجلَ حقٌّ تعلَّق بوقت، ثم مُضيُّ وقت الأجل لا يُسقط الدّينَ المؤجّلَ، كذلك مُضيُّ الوقتِ لا يُسقط الأمرَ المؤقّت.

قالوا: ولأنَّ الأمرَ اقتضى إيجابَ الفعلِ، وفي إسقاطِ القضاءِ تفويت وإسقاطٌ لما أوجبه الأمرُ، وهو الفعل.

قالوا: لو سقطَ الوجوبُ بفواتِ الوقتِ، لسقط المأثمُ، فلما لم يسقط المأثمُ -وهو حكم من أحكام الوجوبِ- لم يسقط الوجوبُ.

قالوا: ولأنَ الأصلَ الوجوب، فمن ادّعى إسقاطه بفواتِ الوقتِ، عليه الدليل.


فصل يجمع الأجوبةَ عما تعلقوا به:

أما الخبر، فإنه حجّة عليهم، لأنَّه لو كان الأمر الأولُ يقتضي إيجابَ القضاءِ لما احتيجَ إلى أمرٍ، وحيثُ تضمّن الأمر حصلَ إيجابُ القضاءِ به، ولا خلافَ أنَّه إذا ورد الأمرُ بالقضاء، وجب القضاء فلا دلاله من الخبر على موضعِ الخلافِ، وموضعُ الخلافِ: هل الأمرُ الأولُ أفادَ إيجابَ القضاءِ؟

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " فأتوا منه ما استطعتم"، فهذا مبنى على أنَه قد أمر في الزمانِ الثاني، وما ثبتَ أنَّه أمرٌ إلا في الوقتِ الأول، ولهذا قال: "فأتوا منه"، فاقتضى أن يكونَ المستطاعُ بعضَ الأمر.

وأمَّا قولهم: إنَ أوامر الشرعِ كلَّها مقضيّة بعد فواتها. ليس بصحيحٍ، لأنها منقسمةٌ كالجمعةِ والجهادِ وفروضٍ كثيرةٍ من فروضِ الكفاياتِ لا تُقضى، والصلاةُ والصومُ تقضى، فليس حملُ الأمرِ على ما يقضى بأولى من حمله على ما لايقضى.
ولأنَّ ما وجبَ قضاؤه منها إنما وجبَ بأدلّةٍ أوجبت القضاءَ، ولم نوجبه بنفسِ الأمر الأول، فلا تعلُّق لهم بذلك، مع كونه مقيّداً بوجوب القضاء، وكلامنا في مطلقِ الأمرِ الذي لم يتعقبه إيجابُ القضاء.

وأمّا قولُهم: إنّ الفعلَ هو المأمورُ به، والوقْت ظرف. فالجوابُ عنه أنَّ الفعلَ المأمورَ به في الوقتِ المخصوصِ به، لا أنّ الأمر بفعل مطلق، ألا ترى أن لفظه لا يتناولُ ما بعد الوقت ولا ما قبله ممن ادعى الوجوب في الوقت.

وأما قولُهم: يسمّى قضاءً، فلأنَّه أقيمَ مقامَ المتروك، وليس معنا في اللغة ولا الشرع أنَّ القضاء لا يقعُ إلا بالأمر الذي أُمر به الأداء، ألا تسمع إلى قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10]، {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]، والمراد بها: إن أقمتموها.

وأمَّا الدّينُ المؤجلُ، فإنَّه يستحق ويستقر بانقضاءِ الأجلِ، فكيفَ يقالُ: إنّه يسقطُ، وهذا وقتُ فعلهِ بهذا الوقتِ، فبينهما تباعدٌ وفرقٌ، وذلكَ لأنَّ الأجلَ وُضع في الذنوبِ رِفقاً لتأخّرِ المطالبةِ، فإذا زالَ الأجلُ وانقضى، حَلّت المطالبةُ، فلا وجهَ لإِسقاطِ الدَّين، وهنا نِيْطت العبادةُ بالزمانِ المخصوص، كما تناطُ بالمكانِ، ثمَّ إنَّ تعليقها بالمكانِ قد يكونُ لمصلحةٍ تختصُّ البقعةَ، ولربما كانت في غيرها مفسدةً، كذلكَ الزمانُ والوقتُ، ولا فرق.

وأمَّا قولُهم: إنَّ الأمرَ يقتضي إيجاب الفعل وفي إسقاطِ القضاءِ إسقاطٌ لما أوجَبه الأمرُ. لا يصحُّ، لأنَّ الأمر اقتضى إيجابَ الفعل في وقتٍ مخصوصٌ لا في جميع الأوقاتِ، ولأنَّه يبطُلُ به إذا علقه على شرطٍ، فإنَه لا يجبُ فعلهُ مع عدم الشرطِ، وإن كان مقتضى الأمرِ الإِيجابَ فلم ينظر إلى الإِيجاب المَشروطِ مجرداً عن الشرط، كذلكَ لا يُنظرُ إلى الأمرِ المؤقّت مجرّدَاً عن الوقت.

وأما قولُهم: لو سقطَ لسقطَ مأثمُ التركِ. غيرُ لازمٍ، لأنَ الإِيجابَ تعلق بالوقتِ، والمأثمَ تعلّقٌ بتحقيقِ التركِ في الوقت، فشرطُ المأثم تحققَ فيحصل، وشرطُ الإيجاب فاتَ فيسقطُ، فهما ضدّان في الحقيقةِ.

وأما استصحابُ الحال، فلا يصحُّ، لأنَّ الأصلَ أنْ لا واجبَ ولا شاغلَ للذّمةِ، فلما جاءَ الأمرُ موقتاً بشرطٍ فمن ادّعاه مع عدم شرط فعليه الدليلُ.

عن كتاب (الواضح في اصول الفقه، لابن عقيل الحنبلي).
  افضل مساهمة2
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ألف شكر لكَ على هذا الموضوع المميز و المعلومات القيمة
إنـجاز أكثر رائــــــع
لكن أرجو منكَ عدم التوقف عند هذا الحد
مـنتظرين ابداعتــــــك
دمتـ ودام تألقـك
تحياتــي
  افضل مساهمة3
بآرَكـَ الله فيكـ
وجَزآكـ الله جَنةٌ
عَرضُهآ آلسَموآتَ وَ الآرضْ
آسْآل الله آنْ يَزّينَ حَيآتُكـ
بـِ آلفِعْلَ آلرَشيدْ
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى